طنوووووووووووش

1 يناير

طنووووووووووووش!!
إيمان الجبالي

“طنوش” إحدى قصائد الرائع أحمد فؤاد نجم التي تنتقد الحاكم مباشرهً وتم سجنه بسببها وغيرها، ويكفيني أن أبدأ بهذا الجزء منها.
غفير وخلته داية لو مسكوه عصايا
ولبسوه عبايه وحطوه ع المرايه
هيشوف اتخن أمير ملعون أبو الفقير
وتسأل ع الأصول يقول ما شفتهاش
هذه بعض من كلمات القصيده والتي تم توظيفها في مسرحيه الكاتب الرائع “سعد الله ونوس” لتكمل المعنى الذي أراد “ونوس” التاكيد عليه وهو: أن تغيير الأفراد لا يغير الأنظمة، وإنما على الأنظمة أن تتغير من قواعدها. حتى تسقط نظاما عليك ألا تكتفي بتبديل الجالس على العرش، وتلمع الوجوه الصفراء، فالملك مهما تغير شكله يبقى هو الملك بحكمه وجبروته وظلمه.
“أعطني تاجًا ورداءً أعطك ملكًا”..
أراد “ونوس” أن يؤكد على هذا المعني من خلال فكرة مستوحاة من “ألف ليلة وليلة”، وهي غاية في البساطة، غاية في العمق، فالملك يعاني من حالة ضجر، تفتق ذهنه عن فكره مجنونة هي أن ينزل المدينه متنكرًا ليلهو بأقدار الناس. ساقته أقداره لذلك فقد أحضر “مغفلاً” من عامة الشعب هو “أبو عزة المغفل” ليتفرج عليه ويلهو به عندما يستيقظ فيجد نفسه في”قصر الحكم”، والغريب أن مصالح الآخرين من أمثال الوزير وشهبندر التجار تقابلت وتحالفت مع استمرار اللعبة وجعلها حقيقة واقعة، وبذا يصبح البديل أصيلاً بينما يخرج الأصيل من اللعبة. وبالفعل يخلع الملك رداءه ويلبسه “أبو عزة المغفل” الذي أصبح ملكًا في “لعبة”.
يتصاعد جنون لعبة الملك بعد نقل “ابو عزه” لفراش الملك وإلباسه ملابس ملكية ووضع التاج والصولجان بجانبه.
“أبو عزة” المغفل أصبح “حاكمًا” في غفلة من الزمن! عديم العقل والمبدأ، والذي لا يتورع عن فعل أي شيء لينال زجاجه خمر اليوم حتى وإن أوحي إلى خادمه الانتهازي عديم الأصل بأنه موافق على منحه ابنته الوحيدة “عزة”، التي تمثل البراءة والحلم والوعي وبعضًا من الثورية. ولا يتورع عن إصدار “مرسوم رئاسي” ببيعها في سوق الجواري بعد أن تسوقه اللعبه “لكرسي الحكم”.
يستيقظ “أبو عزة” فيجد نفسه ملكًا! والمدهش أنه يتعامل على أنه الملك منذ لحظه الاستيقاظ، ولا أحد يستطيع تمييزه عن الملك، حتى زوجه الملك ووحاشيته، فيجلس على العرش ويصدر قرارت ويمنح ويمنع، ويبيع ابنته الوحيدة والتي تعرفت على أبيها عندما سِيقت إلى قصره: (أمي.. إنه أبي)، والمغفل لا يكتفي بذلك فقط بل يتحالف مع أعداء الأمس مثل شهبندر التجار ومفتي الملك.
لا احد يستطيع أن يميز بين الملك الحقيقي والجالس على العرش، ليس لتشابه في الشكل ولكن لتطابق الأفعال، كل الأفعال.. حتى في شبقه للدم مثل هذا المشهد الذي أبدع “ونوس” فيه، فيقول للسياف: “أيها السياف قف على يميني واجعل بلطتك في متناول يدي وتنفذ في مسامي حتى يندغم واحدنا بالآخر الملك والبلطة.. الملك هو الذي سينفذ الأحكام التي يصدرها.. لا شيء يطهر الملوك مثل الدم.. سأغتسل بالدم.. سأستحم فيه”.
في مقابل هذا الجنون نري على الجانب الموازي روح الثوره والحلم، فنري (زاهد وعبيد)، شابين ثوريين يمارسان دورهما في توعيه الناس وحشد روح ثوريه استعدادًا لساعة المواجهة بين صاحب الرداء والتاج، أيًّا كان اسمه أو لونه، وأصحاب الحق والأمل، إنها المواجهه بين المواطن والسلطة، فهي علاقة حرب، حرب بين المسموح والممنوع، بين الثوريين والعامة من جهة، والمنتفعين وأصحاب المصالح من جهة أخرى. مجموعه تطالب دائمًا بحقها وحقوق الآخرين، وجماعه لا تمل من فرض الممنوع. هي ثورة متعددة الموجات بين المواطنين والسلطة بأجهزتها المُسخره جميعًا لصاحب الرداء والتاج.‏
أعتقد أن “ونوس” كتب هذه المسرحية اليوم، لأن هذا ما نحن فيه “اعطني تاجًا ورداءً أعطك ملكًا”، فالحاكم ليس الشخص ولكن أفعاله، لا يهم اسم الحاكم أو لونه، طالما يملك التاج والرداء ويجلس على العرش ويتكلم عن المؤامرة والأخطار ويبرر تحالفاته مع أعدائه ويجد المصفقين والمهللين لحكمة فخامته، فهو حاكم، وسيجد دومًا من يبرر جرائمه، حتى وإن كانت الجريمه بيع أي شيء.
أما الملك الأصلي فهو كملك “الصدفه” في “لعبه”..
في لعبه الكراسي والمصالح هناك دائمًا شعب يُنسي!
الملك هو الملك طالما يملك التاج والرداء ويجلس على العرش، والطريق الوحيدة المفتوحة أمام الملك هي الإرهاب، والمزيد من الارهاب!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: